جمال الدين بن نباتة المصري

98

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

فأتى بجير مهلهلا وهو في قومه ، فقال له : خالى يقرئك السّلام ، فقال له : من خالك يا غلام ؟ ونزا نحوه بالرّمح ، فقال له امرؤ القيس بن أبان التغلبىّ : مهلا يا مهلهل ؛ فإنّ أهل بيت هذا قد اعتزلوا حربنا ، واللّه لئن قتلته ليقتلنّ به رجل لا يسأل عن خاله . فلم يلتفت مهلهل إلى قوله ، وشدّ عليه فقتله وقال : بؤ بشسع نعل كليب « 1 » . فقال الغلام : إن رضيت بهذا بنو تغلب رضيت . فلما بلغ الحارث بن عباد قتله ، قال : نعم الغلام أصلح بين ابني وائل وباء بكليب ، فلما سمعوا قول الحارث قالوا : إن مهلهلا قال له : « بؤ بشسع نعل كليب » ، فغضب الحارث ، ونهض للقتال . واستمرّت الحروب بين الحيّين دهرا طويلا ، وفنى معظمهم ، وقتل همام وغيره إلى أن قام في الصّلح الحارث ابن عوف المرّىّ ، كما سيأتي عند قوله : « وإنّ الصلح بين بكر وتغلب ثم برسالتك » . وآل أمر مهلهل إلى أن رحل إلى أخواله من بنى يشكر فريدا وحيدا ، وأقام بين أظهرهم إلى أن مات ، وقيل : قتل . وكان سبب قتله - كما ذكر ابن الكلبىّ - أنّه أسنّ وخرف ، وكان له عبدان يخدمانه فملّا منه ، وخرج بهما يريد سفرا ، فأناخا به في بعض الفلوات ، وعزما على قتله ، فلما عرف ذلك كتب بسكّين على رحل ناقته هذا البيت - وقيل في بعض الروايات أنه أوصاهما أن يقولا لولديه : من مبلغ الحيّين أنّ مهلهلا * للّه درّ كما ودرّ أبيكما ثم قتلاه ، ورجعا إلى قومه ، فقالا : مات ؛ وأنشداهم قوله ، ففكّر بعض ولده ، وقال : إنّ مهلهلا لا يقول هذا الشعر الذي لا معنى له ، وإنما أراد أن يقول : من مبلغ الحيّين أنّ مهلهلا * أمسى قتيلا في الفلاة مجدّلا

--> ( 1 ) سشع النعل : قبالها الذي يشد إلى زمامها .